
حمّى الترشيحات تشتعل مبكرا في دوائر الرباط… تنافس محتدم وصراع خفي على التزكيات
تشهد دوائر الرباط حركية سياسية متسارعة وغير مسبوقة، مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث انطلقت مبكراً سباقات التموقع داخل الأحزاب، وتكثفت اللقاءات غير المعلنة، في مشهد يعكس حجم الرهانات السياسية التي تختزنها العاصمة، ليس فقط باعتبارها مركز القرار، بل أيضاً كمرآة للتوازنات الوطنية.
تنافس داخلي قبل مواجهة الخصوم
ما يطبع المرحلة الحالية ليس الصراع بين الأحزاب بقدر ما هو احتدام التنافس داخل التنظيمات نفسها. فقد تحولت معركة التزكيات إلى ما يشبه “انتخابات مصغّرة”، تتداخل فيها الحسابات التنظيمية بالولاءات الشخصية، وتبرز فيها بقوة معايير النفوذ والقدرة على الحشد، أحياناً على حساب الكفاءة والبرامج.
عدد من الأسماء بدأت تتحرك في صمت، عبر تكثيف الحضور في الأنشطة الاجتماعية والجمعوية، ومحاولة بناء قواعد انتخابية مسبقة، فيما يعوّل آخرون على قربهم من مراكز القرار الحزبي لحسم السباق مبكراً. وفي ظل غياب معايير شفافة وواضحة لاختيار المرشحين داخل بعض الأحزاب، تظل فرضية “الإنزال من فوق” قائمة، وهو ما يثير تذمراً وسط القواعد الحزبية.
دوائر الرباط… خصوصية سياسية وانتظارات مرتفعة
تتميز دوائر الرباط بتركيبة سوسيولوجية معقدة، تجمع بين أحياء إدارية راقية، وامتدادات شعبية، ونخب أكاديمية وثقافية، ما يجعل السلوك الانتخابي أقل قابلية للتوقع. كما أن حضور فئات الموظفين والأطر العليا يفرض خطاباً سياسياً مختلفاً، يتجاوز الشعارات التقليدية نحو قضايا الحكامة وجودة الخدمات العمومية.
غير أن اللافت، هو أن جزءاً مهماً من النقاش السياسي الجاري حالياً لا يلامس هذه الانتظارات، بل ينحصر في حسابات التزكية والترتيب داخل اللوائح، مما يعمّق الفجوة بين الفاعل السياسي والمواطن.
عودة الوجوه القديمة أم صعود جيل جديد؟
من بين الأسئلة المطروحة بقوة: هل ستكرّس الانتخابات المقبلة عودة نفس الوجوه التي ألفها الناخب الرباطي، أم أن هناك توجهاً نحو ضخ دماء جديدة؟
المؤشرات الأولية توحي بازدواجية في التوجه؛ فمن جهة، هناك رغبة لدى بعض الأحزاب في تجديد نخبها، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة لأداء المنتخبين. ومن جهة أخرى، يظل منطق “المرشح المجرّب” حاضراً بقوة، بدعوى ضمان الأصوات وتقليل المخاطر.
هذا التردد يعكس أزمة أعمق تتعلق بضعف التأطير السياسي، وغياب مسارات واضحة لإعداد القيادات الشابة، ما يجعل عملية التجديد رهينة للظرفية أكثر منها خياراً استراتيجياً.
المال الانتخابي… شبح يلوح في الأفق
رغم الخطاب الرسمي حول تخليق الحياة السياسية، تظل المخاوف قائمة من عودة تأثير المال في توجيه النتائج، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الحملات الانتخابية، وتنامي أدوار شبكات غير رسمية في التعبئة.
وتزداد هذه المخاوف في بعض المقاطعات التي تعرف كثافة سكانية وتحديات اجتماعية، حيث يمكن استغلال الهشاشة لكسب الأصوات، في غياب رقابة فعالة وصارمة.
أحزاب بين منطق التدبير ومنطق التعبئة
الأحزاب المشكلة للأغلبية تواجه اختباراً مزدوجاً: الدفاع عن حصيلتها الحكومية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مواقعها داخل دوائر العاصمة. أما أحزاب المعارضة، فترى في الرباط فرصة لإعادة التموضع واستعادة المبادرة، عبر تقديم مرشحين بوجوه جديدة وخطاب نقدي.
لكن الإشكال المطروح، هو أن الخطاب السياسي العام لا يزال ضعيف الجاذبية، ويغلب عليه الطابع المناسباتي، ما قد ينعكس سلباً على نسبة المشاركة، ويعيد طرح سؤال الثقة في العمل السياسي.
ما يجري اليوم في دوائر الرباط يكشف أن المعركة الانتخابية بدأت فعلياً، لكنها لا تزال تدور في كواليس الأحزاب أكثر مما هي موجهة نحو المواطن. وبين حسابات التزكية، وصراعات المواقع، وترددات التجديد، يظل الرهان الحقيقي هو قدرة الفاعلين السياسيين على الارتقاء بالنقاش من منطق الأشخاص إلى منطق البرامج.
فالرباط، بما تمثله من رمزية سياسية، لا تحتاج فقط إلى مرشحين أقوياء انتخابياً، بل إلى نخب قادرة على إعادة الثقة في المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم إجابات واقعية لتحديات المدينة وساكنتها.
أنوار بريس
أنوار سبور