تنظيم الملك العمومي بمريرت يثير جدلا ويصل للبرلمان وسط مطالب بحلول تنموية تضمن العدالة الاجتماعية

0
أنوار بريس
يتواصل بمدينة مريرت النقاش حول الإجراءات الرامية إلى تنظيم واستغلال الملك العمومي، في ظل تباين وجهات النظر بشأن المقاربة الأنسب لمعالجة الظاهرة، بين من يؤكد ضرورة فرض احترام القانون واستعادة النظام داخل الفضاءات العامة، وبين من يدعو إلى معالجة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزت اتساع التجارة غير المهيكلة.
ويرى متابعون أن تنظيم الملك العمومي يظل ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على النظام العام، وضمان سلامة الراجلين، وتحسين جمالية المدينة، وصيانة حق المواطنين في الاستفادة من الفضاءات العمومية، غير أن نجاح هذه العملية، بحسب جل المهتمين، يظل رهينا بتطبيق القانون على الجميع وفق معايير موحدة، بما يكرس مبدأ المساواة ويبدد الانطباعات التي يتداولها جزء من الرأي العام بشأن وجود انتقائية أو تفاوت في تنزيل الإجراءات.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه حملات تحرير الملك العمومي بمريرت، ما تزال مظاهر الاحتلال قائمة في عدد من الشوارع والأحياء، كما تستمر حالة الازدحام والفوضى بالطريق المؤدية إلى السوق الأسبوعي، وهو ما يطرح، وفق متابعين، ضرورة اعتماد رؤية شاملة تشمل مختلف الفضاءات دون استثناء، بما يحقق الإنصاف ويعزز فعالية التدخلات.
ويجمع عدد من الفاعلين المحليين على أن ملف الباعة الجائلين لا يمكن اختزاله في كونه قضية تنظيمية أو قانونية، بل يرتبط أساسا بأوضاع اقتصادية واجتماعية معقدة تعرفها المدينة منذ سنوات، في ظل محدودية فرص الشغل، وارتفاع معدلات البطالة، وغلاء المعيشة، وضعف الاستثمار، وتأخر إنجاز مشاريع تنموية قادرة على خلق دينامية اقتصادية محلية، وهي عوامل دفعت العديد من المواطنين إلى اللجوء إلى القطاع غير المهيكل لتأمين قوتهم اليومي، فيما وجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.
ويؤكد متابعون أن الباعة الجائلين على مستوى المدينة لا يمثلون فئة متجانسة، بل يضم هذا القطاع أرامل، وأشخاصا في وضعية إعاقة، ومتقاعدين محدودي الدخل، إضافة إلى شباب وحاملي شهادات لم يجدوا موطئ قدم في سوق الشغل، الأمر الذي يجعل أي معالجة لهذا الملف مطالبة بمراعاة أبعاده الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية.
وفي خضم هذا النقاش، برزت دعوات إلى تجاوز المقاربات التي تعتمد على الجانب الزجري وحده، والتوجه نحو حلول أكثر شمولية تقوم على الحوار والتشاور مع مختلف المتدخلين، وتستند إلى مقاربة تشاركية توازن بين متطلبات النظام العام وضمان الحق في العمل والعيش الكريم، مع الاستفادة من التوجيهات الصادرة في هذا المجال بشأن تدبير مثل هذه الملفات.
كما تتزايد المطالب بالإسراع في توفير بدائل عملية ومستدامة، من خلال إحداث فضاءات تجارية مجهزة تستوعب الباعة الجائلين، ورصد الإمكانات المالية الكفيلة بإنجاح هذه المشاريع، إلى جانب تعزيز آليات التتبع والمراقبة، بما يضمن استدامة الحلول ويحد من عودة مظاهر الاحتلال بشكل متكرر، من حيث كون معالجة الظاهرة تستوجب أيضا إطلاق مشاريع استثمارية وتنموية قادرة على خلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية.
وقد انتقل “ملف مريرت” إلى قبة البرلمان، بناء على نداء فعاليات مدنية، حيث أثيرت تساؤلات بشأن التدابير الحكومية المرتقبة لمعالجة هذه الإشكالية، مع الدعوة إلى اعتماد رؤية مندمجة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات، وتجمع بين تنظيم الفضاء العمومي، وتحقيق العدالة المجالية، وتوفير بدائل اقتصادية واجتماعية للفئات المتضررة، بما يضمن الحفاظ على النظام العام وصون كرامة المواطنين.
ويؤكد الجميع أن نجاح أي سياسة لتنظيم الملك العمومي لن يقاس فقط بمدى تحرير الأرصفة والفضاءات العامة، وإنما أيضا بقدرتها على بناء حلول مستدامة تعالج الأسباب العميقة للظاهرة، عبر تعزيز الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحقيق تنمية محلية أكثر إنصافا، بما يرسخ التوازن بين سيادة القانون والعدالة الاجتماعية، ويستجيب لتطلعات ساكنة مريرت في التنمية والعيش الكريم.
error: