تطوان… حين تضيق المدينة بأحلام شبابها

0

أسعد المساوي

في تطوان، المدينة التي طالما تغنّى بها أهلها ولقّبت بـ”الحمامة البيضاء”، لم يعد البياض كافياً ليحجب ملامح واقعٍ يزداد قسوة يوماً بعد يوم.

فخلف هذا الجمال التاريخي والعمراني، تتراكم معاناة صامتة، عنوانها الأبرز: الإحساس بالاختناق الاجتماعي وفقدان الأفق.

أول ما يواجهك وأنت تستمع لشباب المدينة هو ذلك الشعور المشترك بالعجز. البطالة لم تعد مجرد رقم في تقارير، بل تحوّلت إلى تجربة يومية يعيشها آلاف الشباب. شهادات معلّقة، طموحات مؤجلة، وأبواب موصدة في وجه من يبحث عن فرصة بسيطة لبداية كريمة. في ظل غياب نسيج اقتصادي قوي، وقلة فرص الشغل، يصبح الحلم ضيقاً… إلى درجة أن الهجرة لم تعد خياراً، بل صارت في نظر الكثيرين “الخطة الوحيدة”.

وحين يغيب الأمل، تصبح المخاطرة مقبولة. كيف يمكن إقناع شاب بأن مستقبله هنا، وهو لا يرى أمامه سوى فراغ؟ كيف نطالبه بالصبر، بينما الواقع لا يقدّم له أي مؤشرات تُطمئنه؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل تُطرح يومياً في بيوت المدينة، وفي المقاهي، وعلى أرصفة الانتظار.

ولا تقف المعاناة عند حدود البطالة. فارتفاع تكاليف المعيشة يزيد الوضع تعقيداً. زيادات متتالية في الأسعار، من المحروقات إلى النقل الحضري، ترهق المواطن البسيط، خاصة أولئك الذين يعتمدون يومياً على وسائل النقل للوصول إلى أعمالهم أو دراستهم. في المقابل، يبقى الدخل محدوداً، وأحياناً لا يتجاوز الحد الأدنى، ما يجعل التوازن بين المصاريف والدخل شبه مستحيل.

تخيل مواطناً بسيطاً، راتبه بالكاد يغطي الأساسيات: كراء، ماء، كهرباء، وربما إنترنت أصبح ضرورة لا رفاهية. ثم تُضاف إليه أعباء أخرى دون أي تحسن موازٍ في الدخل. النتيجة؟ ضغط يومي، وإحساس متزايد بعدم الاستقرار.
أما في قطاعي الصحة والتعليم، فالصورة لا تقل صعوبة. خدمات صحية تعاني من ضغط كبير، وانتظارات طويلة، ومعاناة مستمرة بين الإمكانيات المحدودة وحاجيات المواطنين. وفي التعليم، يتكرر نفس الشعور: جودة لا ترقى دائماً لتطلعات الأسر، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول تكافؤ الفرص ومستقبل الأجيال القادمة.
ورغم كل هذا، فإن الحديث عن تطوان لا يمكن أن يكون حديثاً يائساً بالكامل. لأن ما يحرّك هذا الكلام في الأصل، ليس التشاؤم، بل الحب. حب مدينة عريقة، بتاريخها وثقافتها وناسها. حب يجعل النقد ضرورة، لا خياراً. لأن المدن لا تتغير بالصمت، بل بطرح الأسئلة الصعبة، وبالاعتراف بأن هناك اختلالات تحتاج إلى معالجة حقيقية.

تطوان لا تستحق أن تكون مدينة يهرب منها أبناؤها، بل مدينة يحتضنون فيها أحلامهم. وهذا لن يتحقق إلا عبر رؤية تنموية تعيد الثقة، وتفتح آفاقاً حقيقية للشباب، وتعيد التوازن بين متطلبات العيش وإمكانياته.

في النهاية، قد يختلف الناس في تقييم التفاصيل، لكنهم يتفقون على شيء واحد: لا أحد ينتقد مدينة يحبها… إلا لأنه يريد لها أن تكون أفضل.

error: