
سيدي علال البحراوي: مدينة على هامش التنمية بين القرب من العاصمة وواقع التهميش
على بعد كيلومترات قليلة من الرباط وسلا، تقف سيدي علال البحراوي، المعروفة محليًا باسم “الكاموني”، كمدينة صغيرة لم تنجح بعد في تحويل موقعها الجغرافي الاستراتيجي إلى رافعة للتنمية. مدينة تقع بين عالمين: قرب مغرٍ من العاصمة بما يحمله من وعود الشغل والاستثمار، وواقع يومي يرزح تحت اختلالات عمرانية واجتماعية واقتصادية تُثقل كاهل السكان وتُفرغ القرب الجغرافي من معناه التنموي.
مدينة نشأت على هامش التاريخ ثم على هامش التخطيط
يحمل الاسم الرسمي للمدينة حمولة روحية مرتبطة بذاكرة محلية ضاربة في القدم، بينما ظل اسمها المتداول “الكاموني” شاهدًا على مرحلة استعمارية تركت أثرها في التسمية والفضاء العام. هذا التعدد في التسميات يعكس مسارًا تاريخيًا متشظيًا، لكنه يعكس أيضًا واقعًا حضريًا لم يستقر بعد على هوية واضحة.
عمرانيًا، توسعت المدينة بسرعة خلال العقدين الأخيرين، غير أن هذا التوسع جرى في كثير من الأحيان بمنطق الكم لا بمنطق الجودة: أحياء جديدة دون تجهيزات كافية، عمران يسبق التخطيط، وتجزئات سكنية لا تواكبها مرافق عمومية بالوتيرة نفسها.
القرب من الرباط وسلا..
فرصة ضائعة؟
جغرافيًا، تُعد المدينة قريبة من الرباط و**سلا**، ما جعلها مقصدًا لفئات تبحث عن سكن أقل كلفة مع الاحتفاظ بإمكانية التنقل اليومي نحو العاصمة. غير أن هذا القرب لم يتحول إلى دينامية اقتصادية محلية حقيقية.
فالسكان يشتكون من ضعف فرص الشغل داخل المدينة نفسها، ما يكرّس نموذج “مدينة النوم”: أحياء سكنية يخرج منها السكان صباحًا نحو الرباط وسلا بحثًا عن العمل، ويعودون مساءً دون أن ينعكس ذلك على الدورة الاقتصادية المحلية. النتيجة: محلات تجارية محدودة، أنشطة اقتصادية ضعيفة، واعتماد شبه كلي على المدن المجاورة.
اختلالات عمرانية: تمدد
بلا روح مدينة
المجال الحضري في سيدي علال البحراوي يكشف عن مفارقة واضحة: طرق توسعت هنا وهناك، وبنايات ارتفعت بوتيرة متسارعة، لكن الفضاءات العمومية تكاد تكون غائبة. حدائق نادرة، مرافق ثقافية شبه منعدمة، وفضاءات للشباب لا تستجيب لحاجيات جيل كامل.
في بعض الأحياء، يشكو السكان من ضعف الإنارة العمومية، ومن شبكات صرف صحي متقادمة، ومن غياب مساحات خضراء تُخفف ضغط الإسمنت. تمدد عمراني بلا روح مدينة، يخلق شعورًا عامًا بالهشاشة واللاانتماء إلى فضاء حضري يمنح كرامة العيش.
واقع اجتماعي هش:
بطالة صامتة وشباب بلا أفق
تعيش المدينة على إيقاع بطالة غير معلنة، خصوصًا في صفوف الشباب. غياب مناطق صناعية أو فضاءات اقتصادية مهيكلة يجعل فرص الإدماج المهني محدودة، ويحوّل القرب من الرباط إلى حل فردي لا سياسة عمومية.
الشباب، وهم الفئة الأكبر ديمغرافيًا، يجدون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ: إما التنقل اليومي المُرهق نحو العاصمة، أو البطالة داخل المدينة. هذا الواقع يفرز أشكالًا من الإحباط الاجتماعي، ويُغذي شعورًا بالتهميش مقارنة بما يشاهدونه يوميًا في المدن الكبرى المجاورة.
خدمات عمومية تحت الضغط: مدينة تنمو وإدارة تلهث
النمو الديمغرافي السريع وضع الجماعة الترابية أمام تحديات أكبر من قدراتها التدبيرية. النظافة، تدبير النفايات، النقل الحضري، وصيانة الطرقات تظل ملفات مفتوحة تتجدد معها شكاوى السكان.
في أحياء متعددة، تتحول مشاكل النظافة إلى مصدر قلق صحي وبيئي، فيما يبقى النقل العمومي محدودًا من حيث التغطية والجودة، ما يزيد من معاناة التنقل اليومي للعمال والطلبة. أما المرافق الصحية والتعليمية، فتعاني من ضغط متزايد لا يواكبه توسع كافٍ في البنية التحتية.
مفارقة القرب والتهميش:
أسئلة بلا أجوبة
المفارقة الكبرى في سيدي علال البحراوي هي أنها مدينة قريبة من مركز القرار السياسي والاقتصادي في البلاد، لكنها تعيش واقع مدن الهامش. هذا القرب لم يُترجم إلى استثمارات عمومية كافية، ولا إلى مشاريع مهيكلة قادرة على خلق فرص شغل محلية أو تحسين جودة العيش.
المدينة تبدو وكأنها عالقة بين نموذجين: ليست قرية تحتفظ ببساطة العيش ومواردها المحلية، ولا مدينة استفادت من شروط الإقلاع الحضري. هي فضاء انتقالي، يدفع ثمن غياب رؤية تنموية مندمجة.
نحو أي أفق؟ أسئلة
التنمية المؤجلة
إن إخراج سيدي علال البحراوي من وضعية “المدينة الهامشية” يمر عبر إعادة التفكير في دورها داخل المجال الحضري للرباط وسلا. المطلوب ليس فقط تحسين الطرق أو بناء العمارات، بل خلق هوية اقتصادية محلية:
تشجيع استقرار أنشطة إنتاجية وخدماتية.
الاستثمار في مرافق للشباب والثقافة والرياضة.
إدماج المدينة في مشاريع نقل حضري فعّالة تربطها بالعاصمة دون أن تُحوّلها إلى مجرد ملحق سكني.
اعتماد تخطيط عمراني يوازن بين السكن والمرافق والفضاءات العمومية.
سيدي علال البحراوي ليست مدينة بلا إمكانات، بل مدينة بإمكانات مُهدرة. موقعها الجغرافي، وطاقتها البشرية الشابة، وقربها من العاصمة، كلها عناصر يمكن أن تجعل منها فضاءً حضريًا متوازنًا لا مجرد امتداد سكني فقير الخدمات.
غير أن استمرار الوضع الحالي يعني تكريس نموذج تنموي غير عادل: مدن كبرى تزداد قوة، ومدن قريبة منها تظل تعيش في ظلها. السؤال المفتوح اليوم ليس ما إذا كانت “الكاموني” قادرة على النهوض، بل متى ستُمنح الفرصة الحقيقية لذلك، وبأي رؤية تنموية تعترف بها مدينة قائمة بذاتها، لا مجرد هامش للعاصمة.
أنوار بريس
أنوار سبور