بمقابر بويجمان، إقليم خنيفرة، جرى، عصر يوم الاثنين 13 أكتوبر 2025، تشييع جثمان الحاج ارسالي الذي أسلم روحه إلى بارئها في الساعات الأخيرة من ليل الأحد 12 أكتوبر 2025، تاركا وراءه ذاكرة مثقلة بجراح النسيان، وشهادة حية على واحدة من أكثر فترات المغرب إيلاما في تاريخه الحديث، والمعروفة بسنوات الجمر والرصاص، في وداعه، ينحني المناضلون والحقوقيون إجلالا لمسيرة رجل عاش بكرامة، ومات بصمت.
ولد الحاج ارسالي سنة 1932 بقرية تغاط آيت خويا بجماعة البرج، إقليم خنيفرة، في قلب الأطلس المتوسط، حيث تشكلت شخصيته في بيئة قروية بسيطة مشبعة بقيم المقاومة والكرامة، كان مناضلا صلبا، من أبناء خلية 3 مارس بخنيفرة، حمل هم الوطن في قلبه ودفع ثمنا باهظا لمواقفه التي ظل محافظا عليها من كل المنعرجات والتقلبات رغم ما ذاقه من محن وما تعرضت له أسرته على غرار عائلات آيت خويا وتغاط وبويجمان وغيرها.
في 9 مارس 1973، داهمت السلطات الأمنية منزله، تم اختطافه من المدينة، قبل أن يتم اعتقال أفراد عائلته وإحراق منزله الذي كان يأويه رفقة والدته وإخوته في قرية تغاط، في مشهد ترك أثرا لا يمحى في ذاكرة الأسرة والقبيلة، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره، فلا أثر ولا خبر، إلى أن تبين بعد ثلاثة أشهر ونصف أنه أُودع في نقاط احتجاز سرية بكل من خنيفرة وفاس والدار البيضاء، حيث ذاق شتى أنواع التنكيل والتعذيب.
بعد سلسلة من التحقيقات القاسية، أُحيل الحاج ارسالي إلى السجن المركزي بالقنيطرة، وحكم عليه بالسجن المؤبد في محاكمة لم يعرف هو نفسه أسبابها ولا دوافعها أو مجرياتها، ومع ذلك، ظل ثابتا، محتفظا بإيمانه العميق بعدالة قضيته، وبعد سبع سنوات من الاعتقال القسري، نال حريته، لكنه لم ينعم بها طويلا، إذ أُعيد اعتقاله سنة 1981، ليقضي سنتين وشهرين أخرى خلف القضبان، قبل أن يفرج عنه سنة 1984.
هذه المحطات المأساوية لم تترك ندوبا جسدية فحسب، بل خلفت آثارا نفسية واجتماعية عميقة، إذ عاش الحاج ارسالي وأسرته معاناة مزدوجة بين فقدان الأمن والمأوى، فالمنزل الذي حرق ظل شاهدا على انتهاك صارخ لحق أسرة كاملة في الكرامة والعيش الكريم، كما أن مصير شقيقه المختطف منذ أحداث السبعينيات، موحى أوعقى أرسالي، لا يزال مجهولا إلى اليوم، مما يضيف جرحا إلى سجل من المآسي غير المطوية بعد.
ورغم كل ما عاشه من ظلم وتجريد وتهميش، بقي الحاج ارسالي مثالا في الكبرياء ونظافة اليد، لم يمد يده لأحد، ولم يطلب امتيازا ولا جبر ضرر خاصا، واكتفى بأن يظل حاضرا بجسده المنهك في الوقفات التضامنية واللقاءات الحقوقية، وعلى وفائه لحزبه “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، وبخطاه المثقلة بالشيخوخة يمشي إلى جانب المدافعين عن العدالة والحرية، كأنه يريد أن يورثهم معنى الصمود في وجه القمع والنسيان.
رحيل الحاج ارسالي لا يعني فقط فقدان مناضل بسيط من أبناء الأطلس، بل هو فقدان لجوانب أساسية من ذاكرة جماعية لا تزال في حاجة إلى من يكتبها وينصف أصحابها، إنه تذكير بأن صفحات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مهما طال الزمن، لا تطوى إلا بالحقيقة والإنصاف وجبر الضرر الفردي والجماعي، وبالاعتراف العلني بانتهاكات الماضي وعدم تكرار ما جرى.