يعيش المجتمع المغربي منذ سنوات على واقع مأزوم يتعلق بالجدوى من وراء البرامج التنموية المعلنة والمسطرة والمتعددة التسميات، ما دامت هذه التنمية المزعومة لم تحقق نجاعتها، أو على الأقل لم ترسم أفقا محددا تتغياه، وطريقا منتهجا تسلكه.
ويزكي هذا الطرح الواقع المزري الذي تعيشه وتعايشه فئات عريضة من المجتمع تبقى لقمة سائغة أمام كل ظرف يهددها، طالما لم تسندها مظلة التنمية الحقيقية. والأرقام والإحصائيات المسجلة بخصوص تزايد نسبة الفقر المدقع المتزامن مع الأمية وارتفاع مؤشرات الكسل والجريمة أكبر دليل على أن المغرب ما زال بعيدا عن امتلاك بوصلة تنموية واضحة المعالم.
كما أن اجترار السياسات العقيمة نفسها تدفعنا إلى التساؤل بحرقة عن الأسباب الحقيقية من وراء هذه النكسة، وهو سؤال مشروع طرحته أجيال سابقة وما تزال الأجيال الحالية تحت وطأته، وسيؤرق الأجيال القادمة أرقا شديدا في غياب تشخيص عقلاني لواقعنا بعيدا عن المزايدات السياسية والشعبوية القاصمة لوحدتنا.
وهنا بالضبط، لا بد من وقفة صريحة مع ذواتنا الفردية والجمعية كي نقطع مع مجموعة من الممارسات غير المقبولة، في مقدمتها الارتكان إلى ما يسمى بالإحسان العمومي، الذي ليس خيارا استراتيجيا يمكن من خلاله إخراج أي أمة كيفما كانت من قوقعة التخلف إلى ملامسة نسيم الحركية والتقدم، لأنه ببساطة يغطي على حقيقة جوهرية ألا وهي حلحلة طبيعة العلاقة القائمة بين طبقات المجتمع في دولة واحدة وكيفية تأثير هذه العلاقة في قضية التنمية، ما دامت الحلول المؤقتة والترقيعية تُقدم على البرامج التنموية الحقة الكافلة لحق جميع المواطنين في حدود الدولة الواحدة دون استثناء، الضامنة لأدائهم جميعهم الواجب تجاه الوطن كذلك.
وهذا لا يعني أننا ضد الإحسان العمومي، لكن أن يُستند عليه كخيار بديل لحل المشاكل والأزمات اللحظية فهو أمر غير سليم، لأن يده قصيرة، وأدواته غير ممتدة وغير مستعرضة، وقد يُستغل من أجل خدمة مصالح نفعية شخصية، خاصة لما يستهدف فئات مجتمعية محددة لاستمالتها في إطار التمكين من “الصدقة مقابل خدمة”.
وفي هذا الإطار يتجسد “الإحسان الانتخابي” الذي لا تتحرك آلته إلا مع اقتراب الانتخابات، حيث تتحول الأحزاب السياسية الطامعة في حصد مقاعد بالبرلمان ومجلس المستشارين والمجالس الجهوية والإقليمية والجماعية إلى تعاقدات مؤقتة مع الأعيان وأصحاب “الشكاير” عساهم يضمنون لها رقما انتخابيا محصلا بطبيعة الحال بأموال “الإحسان الانتخابي” الموجهة للفئات الهشة عن طريق سلاسل من الوساطات يقوم بها مسخرو الأحزاب.
وهنا تضيع البوصلة ويبقى مصير الوطن والمواطنين بأيدي المضاربين والسماسرة، فتتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء، لأن الأغنياء “المحسنين انتخابيا” إلى الفقراء، وهم في الحقيقة الراشون المؤدون للمرتشين عبر وساطات الرائشين في غياب تفعيل آليات الردع القانونية لغايات معلومة، هؤلاء الأغنياء يشرعون مزيدا من القوانين التي تحميهم وتزيد هضما لحقوق الفئات الشعبية العريضة، خاصة في ظل المقاطعة المستمرة للانتخابات من طرف فئات عريضة داخل المجتمع، في مقدمتها الطبقة الوسطى.
إن الإجابة عن سؤال التنمية الحارق لا يستقيم في ظل الوضع الراهن المتسم بالمضاربات الانتخابية، وفي ظل استمرار البعض في الحصول على دراهم معدودة مقابل الإدلاء بصوت لصالح من رشاه، وفي ظل رفع الدولة ليدها عن ورش التنمية الحقة وفتحها الباب أمام تجار الإحسان العمومي الذين يميلون به لخدمة مصالحهم، بل من الواضح أن طريق التنمية شاق، يبدأ من خلال التشخيص الدقيق لواقع أقاليمنا وجهاتنا، والمصالحة مع المناطق المتضررة من سياسات الدولة منذ عقود، على الأقل راهنا بتنزيل خطط العدالة المجالية الضامنة للمساواة في تحصيل الحقوق، في إطار التخطيط الأمثل الضامن للتدبير المجدي للقطاعات الحساسة وفي مقدمتها قطاع التربية والتعليم، مع ضمان التقويم المستمر لخطط التنمية على اعتبارها لا تنفك عن التلازم مع مبدأي الديمقراطية والعقلانية.